محمد حسين علي الصغير
200
المبادئ العامة لتفسير القرآن الكريم
في كل أرض ، وهو تذكير له ولقومه ، وسوف يسأل الجميع عنه يوم القيامة ، هل طبقت حدوده ؟ وهو وفيّ بحقوقه ؟ وهل أقيم قاعدة أساسية للتشريع ؟ أما الرسول فقد طبقه تطبيقا شاملا ، ناظرا فيه يومه وغده ، وقد جعله قبلة في هداه ومناظراته وتطلعاته ، فكان المنظر الأكبر ، والمبشر الأعظم ، يقود القافلة ، ويشرف على المسيرة ، وأما قومه فقد فتحوا به شرق الدنيا وغربها ، وغنموا خير المتاع وأثمنه ، ثلوا به عروش القياصرة والأكاسرة ، وورثوا ديار الفراعنة والجبابرة ، فعمروا واستثمروا وتأمروا ، فأي ذكر كهذا الذكر ، وأي شرف اسمى منه ، وسيبقى هذا الذكر مصاحبا لهم ، ومقترنا بهم ما داموا متمسكين بالقرآن ، عاملين بمضامينه ، فإذا انتفى العمل انتفى الذكر ، إذ لا تبعة في الدين ، فإذا تخلت الأمة عن حمل الأمانة ، وترددت بعبء المسؤولية ، انحدرت هذه الكرامة الفضلى ، وتلاشى هذا المجد العظيم . ويبقى التوحيد سمة بارزة يقررها القرآن دعما للنبي صلى اللّه عليه وآله وسلّم وتأكيدا على انتصاره في النهاية وَسْئَلْ مَنْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنا أَ جَعَلْنا مِنْ دُونِ الرَّحْمنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ ( 45 ) . وكانت فطرة كل الرسل في مختلف العصور وتطاول الفترات ناطقة بتوحيد اللّه ، والدعوة إلى ذلك . كان ذلك في زخم حافل مما مر في التأريخ من قتل وتشريد وإفناء وعذاب استئصال ، وهي ظواهر مشتركة ألفت حياة المؤمنين والكافرين على حد سواء ، شاهدها هؤلاء وهؤلاء مع تفاوت في طبيعتها في الكثرة والقلة أو الشمول والاقتصار ، لذلك فهي لا تأتلف مع ظواهرنا اليومية الرتيبة ، وهمومنا الجزئية الصغيرة ، ولكنها كانت حقيقة ألفتها قرون ، وعركتها أجيال ، وخبرتها أمم ، انطوت وبادت وتفرقت ، فبقيت للذكرى عظة وعبرة ، وظل الحق هادرا من وراء الغيب في التقدير الكائن الأزلي الأبدي السرمدي : أن لا إله إلا اللّه ، وكفى . ومع هذا الملحظ الدقيق ، يبقى أن كيف يتم لرسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلّم سؤال من تقدمه من الرسل ، وهو لم يعاصرهم ولم يدركهم ؟ والإجابة عن هذا السؤال يضع ابن جزي ثلاثة وجوه : الأول : أنه رآهم ليلة الاسراء .